بقلم الكاتبة : ياسمين ثامر خضير
شهر الحُبّ شهر الجَمال وَالأمطارِ والثلوج، شهر تَنتَهي فِيهِ الأحزان وَتُفتحُ أبوابَ الأمل هذا ما يَراهُ الناس، أما أنا فَكانَ وَلا زال ديسَمْبِر الكُرْه وَالتَشَاؤُم بالنسبةِ لي شهرٌ وَلَدَ فِيهِ أَكثَرَهُم مُناوِئٌ لي (أغيد) كابُوسيَ الدائم منذُ ولادَتِي، أذكُر أني فِي كُلِ سَنة بِهذا الشهر البائِس بِيوم الخَامس عَشر أقوم بِإخراج صورةٌ لهُ وَﺃﻣﺰّﻗﻬﺎ ثُم أحرقُها لِأنسىٰ ما فَعلَ بي لَكِن لَم أنسىٰ شيء، كَيفَ بي إن أنسىٰ تِلكَ الخيبةُ والجرح الذي تركهُ وسطَ قَلْبي! كُل عام وكأن الكُرْه يَتجدد وَحقدي عليهِ يَزداد، كُلما أرىٰ أمي تَبكي لِما فعلَ بِنا أتمنىٰ لهُ الموت! أغيد (والدي) الذي حَطم حياتُنا فِي هذا اليوم عِنْدَما رمى بِنا خارج المَنزل إلىٰ ما لا مَصير، كانَ وقتُها عُمْري بِضعُ شهور! مِن يَومُها وأمي من تَهتمُ بي وَترعاني، اليوم هوَ ذَلِكَ اليوم اللعين الذي يُذكِرني بِما فَعلَ بِنا جلستُ فِي غُرفَتي لِأفكر فِي إيقاف ما أفعلهُ كُل مرة، قررتُ أن أترك كُل تِلكَ الضَوْضاءُ داخِلي وَأخرُج لِأرتاحَ قَليلاً، خَرجتُ مَع صديقةٌ لي أسمها (آيسل) كانتْ صَديقتي الوحيدة وَبِئْرُ أسراري ، وَعندَ عَودتي لِلمنزل وَجدتُ أمي نائمة قَبلتُها وَذهبتُ للنَوم وَعندَ الصباحُ البَاكر سمعتُ صوت الباب قمتُ مسرعتًا لأرىٰ ماذا يَجري كان الصوت مُرتفع جداً وكأن البابُ يَكادُ يَنكسِرَ مِن شدةُ الدَقَّ عَلَيْه، فَتحتُ الباب وإذ بي أتفاجئُ بِهجوم الشُّرطة دَاخِل المَنزل وَقفتُ مَفزوعةٌ مِن ما أرىٰ قَال السيد راجي (ضابِطُ الشُّرطة) أنتِ لانا قُلتُ أجل أنا ماذا هُناك؟
_هَيا اقبِضوا عَليها
_ماذا تَقول أنا لَم أفعَلَ شيئ..
أمي أينَ أنتِ؟
لم تَكن هُناك فَقد خَرجتْ للتَسوق
ذَهبتُ مَعهُم إلىٰ المَركز قالَ لي راجي لانا أنتِ فتاةٌ رَقيقَة ولاتَملكِ القُدرة علىٰ تَحمُل طَريقة الإعتراف الخاصةُ بِنَا، هَيا تَكلمي لِما قُمتِ بِقتلِ أبيكِ؟
_ماذا تقول أغيد متىٰ قُتل؟
ولما لاتَقولي أبي؟
_هذا لَيْسَ مُهم، قل لي ماذا حَدثَ أرجوك
_أنتِ هُنا لِتُجيبي علىٰ أسئِلتي فقط هَيا تَكلمي
_أنا لم أراهُ منذُ ثَلَاثٌ وَعِشْرُون عام كَيفَ لي إن اقتُله!...
أخرجَ مِن جَيبهُ بَقايا قِلادة وَقال إذن هذهِ لِمن؟
_أنها لي!
_وَجدنا هذهِ القِلادة بِجانبِ الجُثة ما رأيُكِ بِهذا يا لانا؟
رأي بِماذا؟ أنا لَم أفعل شيء وَلَيْسَ لَدي خَبرٌ عَن هذهِ القلادة وَكيفَ وَصلتْ إلىٰ هُناك، أنا كنتُ مع صديقتي آيسل وَقتها وَلم أفارقها مُنذ الصباح إلىٰ نهايةُ اليوم، يُمكِنكُم التَكلُم مَعُها، قاموا بِأستِدعاء آيسل وَقالتْ لهم عَن كُل شيء حَدثَ مَعُنا، لكنّ أصابعُ الِأتهام كُلها موجهةٌ لي فَمن لديه الفائدة مِن قتلهُ غَيري بِنيةُ الإنتقام، دَخلتُ السِجْن علىٰ ذِمَّةُ التَحقيق لِمدة ثلاثة أشهر كُنتُ تَائهةٌ لا أعلم ماذا يَحدثْ هُنا ضائِعة بَيْنَ أرجاء السِجنُ اللعين، أمي لَم تَعد تَزورَني، كانَ شَوقي لها يَكادُ أن يَنفجر، لاأعلم عَنُها شيء، كانتْ آيسل هيَ من تأتي لِرؤيَتي بَيْنَ الحينَ والآخر، وَعندَ زيارتُها لي سألتها عَن أمي قالتْ سَتذهب لِترىٰ أن كانتْ بِخير، قَلْبيّ كان يُؤلمُني كثيرا فأنا لاأعلم ماذا تَفعَل مِن بَعدي وَكيف صِحتُها الأن، بَعدَ أيام مَرَّتْ وَكأنُها أعْوامٌ مِن شدةُ مَرارتُها جاءتْ آيسل وَهيَ مَفزوعةٌ كانَ وجهُها شاحِبٌ وَقَلبُها يَكادُ أن يَخرج مِن مكانهُ لِسرعة دَقَّتهُ صرختُ مِن دون أن أشعُر ماذا جرىٰ لِأمي تَكلمي هَيا يا آيسل لاشيء لانا سَتعرفي كُل شيء حالاً أريدُ أن أرىٰ راجي، ذَهبتْ وَقلبي ذهبَ مَع خَطواتُها لِشدتُ خَوفي مِن ماحَدثَ لها بضعُ دقائق وَنادى راجي علىٰ حارسُ السِجْن لِيذهبَ بي إليه، دخلتُ إلىٰ الغرفة فَقال لي سَوفَ أعرض لكِ شيءٌ هُنا وهوَ يُشير إلىٰ التِلفاز، نظرتُ فَوجدتُ أمي يَقف مَعُها رجلٌ غَريب فِي بابُ المَنزل، يَقول لها أعطِني المبلغ الذي وَعدتني بِهِ وإلا سأذهبُ وأخبِر إبنَتُكِ لانا بِالحقيقة كاملة وأقول للشُّرطة أنها بَريئةٌ وأنتِ مَن دَفع لي كي أقتُلَ زَوجكِ أغيد وَأرمي بِقلادة لانا هُناك!
هذا ما صورتهُ آيسل عِنْدَ ذهابُها لِترىٰ كيف أمي!!
لحظةُ صمت مَلأَتِ المَكان!...
كانتْ صدمةٌ كَبيرة لي لَم أصدق ما رأت عَينِي! لا هذهِ مُزحة قولوا أنها كذبة! آيسل أنتِ تَكذبين أنا لا أصدقكِ، بَعد دقائق مِن الإنهيار سقطتُ مهْدودةُ القُوىٰ، كَحائِط مائل لَم يجدَ مَن يَسندَ عليهِ فَيَنْهَدِم!..
فَتحَتُ عَيني وأنا فِي غرفةٌ بَيضاء والأجهزة تُحيطُ بي مِن كُلِ مَكان، قَفزتْ آيسل مِن مَكانُها وَغمرتني بِأحْضانُها الدافئة، وقالتْ لاتَهتمي لِشيء يا لانا أنا هُنا معُكِ دائمًا...
عَرفتُ بَعدها أن راجي (الضابط) قامَ بِالإفراجُ عَني، وَأمسكَ بِالقاتل وَمن حَرضهُ علىٰ فِعلُ الجَريمة، حُكِمتْ أمي بِالسِجْن ألمؤبَد وَحَكمَ علىٰ القاتل المأجور بِالإعدام، أما أنا فَقد تَجاوزتُ كُل تِلكَ الصِعاب، لأني أستحقُ أن أحيا مِن جَديد وَأعيشُ كَما أُريد، أصبحتُ أنا وَ آيسل مِن المُهندساتِ الماهِرات وَيتمُ تكريمُنا بَيْنَ فترةٌ وأخرىٰ لأننا نَعملُ بِكُلِ حُبّ، لَيْسَ الأهل هُمْ دائمًا مَن يَصنع الأولاد هُناكَ مَن يُحَطِمَهُم وَيَقضيَ علىٰ مُستَقبلهُم بِسببِ تَهوُّر أفعَالهُم تَكونْ الوَقِيعَة هيَ الأولاد، فَـ أن كانُ لاخَير فِيهُم، يَجب أن نكونَ نَحنُ الخَيرُ لِأنفُسنا وَقدوةٌ لِمن حَولنا.